أبي نعيم الأصبهاني
272
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
النفوس ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك إلا من تصفح ما هنالك في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف ، فان النفس إذا ألفت فعل الخير صار خلقا من أخلاقها ، وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له ، وترى أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل ، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له السبيل على مجارى الدم فيها ، فيرى هو بكيده خفى غفلتها ، فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال ، فان تألم لوكزته منه وعرف طعنته أسرع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به ، فاستقصى من نفسه علم الحال التي منها وصل عدوه إليه فحرسها بلياذة اللجأ وإلقاء الكنف وشدة الافتقار وطلب الاعتصام كما قال النبي بن النبي بن النبي الكريم بن الكريم بن الكريم كذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام » . ( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بقوة النفس ( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجارى الأحكام وكيف يقلبه التدبير ، فهو أفضل الأماكن وأعلى المواطن ، فان اللّه أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا خدمته . فقال ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) . فألزمهم دوام عبادته وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية ، وفي الأخرى جزيل الثواب . فقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) وهذه كلها تلزم كل الخلق . ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ألا يعلم أنه قال ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) - يعنى شأن الخلق - . وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده ؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه ، وخروجها من قلبه ، فإذا انقضت الدنيا وبادت وباد أهلها وانصرفت عن القلب خلا بمسامرة